تُستعمل المقابلة في البحث النوعي لفهم خبرات المشاركين ووجهات نظرهم بعمق لا تتيحه الاستبانات المغلقة. غير أن نجاحها لا يتوقف على حسن الحديث، بل على إعداد منهجي وإجراء منضبط وتحليل شفاف. ويعرض هذا المقال مراحل العمل بالمقابلة من التخطيط إلى الترميز.
1.أنواع المقابلات
تتدرج المقابلات من المقابلة المنظمة التي تُطرح فيها أسئلة ثابتة بالترتيب نفسه على الجميع، إلى المقابلة شبه المنظمة التي تُعدّ لها محاور وأسئلة رئيسة مع حرية في التفريع والاستيضاح، إلى المقابلة غير المنظمة التي تقوم على حوار مفتوح حول موضوع عام. وأكثر البحوث النوعية استعمالًا للمقابلة شبه المنظمة لأنها توازن بين تغطية المحاور المطلوبة ومرونة الاستكشاف.
2.إعداد دليل المقابلة
دليل المقابلة وثيقة قصيرة تتضمن المحاور والأسئلة الرئيسة والأسئلة الاستقصائية المساعدة. وتُراعى في صياغة الأسئلة القواعد الآتية:
- أسئلة مفتوحة تبدأ بكيف وماذا ولماذا، لا أسئلة تُجاب بنعم أو لا.
- ترتيب يبدأ بأسئلة سهلة تهيّئ المشارك، ثم ينتقل إلى الأعمق.
- الابتعاد عن الأسئلة الإيحائية التي تتضمن الجواب المتوقع.
- مراجعة الدليل مع زميل أو مشرف ثم تطبيقه على مقابلة أولية لتحسين صياغته.
3.إجراء المقابلة
تبدأ المقابلة بتعريف المشارك بالغرض منها ومدتها وحقوقه، ثم أخذ موافقته الصريحة على المشاركة وعلى تسجيل الحوار إن وُجد. ويحسن في أثناء المقابلة أن يُصغي الباحث أكثر مما يتكلم، وأن يطلب أمثلة وتوضيحات، وأن يتجنب مقاطعة المشارك أو إظهار الحكم على كلامه. ويُنصح بتدوين ملاحظات ميدانية بعد كل مقابلة تتضمن الانطباعات والسياق، لأنها تُسهم لاحقًا في التفسير.
4.التفريغ والترميز
يُفرَّغ التسجيل في نص مكتوب يحفظ كلام المشارك كما قيل، ثم يُقرأ النص قراءة متأنية أكثر من مرة. وفي الترميز تُعطى الأجزاء ذات المعنى تسميات قصيرة تعبّر عنها، ثم تُجمع الرموز المتقاربة في فئات، وتُشتق من الفئات موضوعات رئيسة تجيب عن أسئلة البحث. ويمكن أن يجري الترميز يدويًا أو بالاستعانة ببرمجيات مخصصة، والعبرة في الحالين بوضوح قواعد الترميز واتساق تطبيقها.
5.اختيار المشاركين وعددهم
يُختار المشاركون في البحث النوعي بالمعاينة القصدية في الغالب، أي باختيار من لديهم خبرة مباشرة بالظاهرة وقدرة على الحديث عنها. وقد يُعمد إلى تنويع المشاركين في الخصائص ذات الصلة، كسنوات الخبرة أو طبيعة الدور، لتتسع زوايا الرؤية. ولا يُحدَّد العدد بقاعدة ثابتة، فكثير من الباحثين يتوقف عن إضافة مشاركين حين لا تُسفر المقابلات الجديدة عن موضوعات جديدة، وهو ما يُعرف بالتشبع. ويوثَّق في التقرير كيف اختير المشاركون وكم عددهم ومتى تقرر التوقف.
6.المصداقية والجانب الأخلاقي
تُعزَّز مصداقية البحث النوعي بوسائل منها مراجعة المشاركين للتفسيرات الأولية، وتنويع مصادر البيانات، وتوثيق خطوات التحليل بما يتيح تتبعها، ومراجعة زميل لعملية الترميز. وأخلاقيًا يلتزم الباحث بحماية هوية المشاركين بإخفاء الأسماء والتفاصيل الكاشفة، وبحفظ التسجيلات في مكان آمن، وبعدم استعمال البيانات في غير ما وُعد به المشارك. وينبغي كذلك أن يعي الباحث أثر حضوره وخلفيته في ما يُقال أمامه، فيدوّن في ملاحظاته تأملاته الشخصية ويوضح في تقريره موقعه من الموضوع، فهذا الوعي الذاتي يعين القارئ على تقدير التفسيرات المقدمة، ويقلل من أثر الانحياز غير المعلن في استخلاص الموضوعات.
خلاصة المقال
- المقابلة شبه المنظمة توازن بين تغطية المحاور ومرونة الاستكشاف.
- الأسئلة المفتوحة غير الإيحائية أساس غنى البيانات.
- الشفافية في الترميز وحماية هوية المشاركين شرطان لمصداقية البحث النوعي.