يمكّن الإحصاء الاستدلالي الباحث من الانتقال من وصف العيّنة التي بين يديه إلى الحكم على المجتمع الذي سُحبت منه. وهو من أكثر الميادين التي يكثر فيها سوء الفهم، خصوصًا في تفسير القيمة الاحتمالية ودلالة الفروق. ويعرض المقال المنطق الأساسي لاختبار الفرضيات وحدود ما يمكن أن يدل عليه.
1.منطق اختبار الفرضيات
يقوم اختبار الفرضيات على صياغة فرضيتين متقابلتين: فرضية العدم التي تفترض غياب الأثر أو الفرق أو العلاقة في المجتمع، والفرضية البديلة التي تفترض وجوده. ثم يسأل الباحث: لو كانت فرضية العدم صحيحة، فما احتمال أن نحصل في عيّنة مثل عيّنتنا على نتيجة بهذا الحجم أو أبعد منه؟ فإن كان الاحتمال ضئيلًا جدًا اعتُبرت البيانات غير متسقة مع فرضية العدم، وإلا لم تتوافر أدلة كافية على رفضها.
2.معنى القيمة الاحتمالية
القيمة الاحتمالية هي ذلك الاحتمال المشروط الذي يُحسب على افتراض صحة فرضية العدم. وتُقارن عادةً بمستوى دلالة يحدده الباحث قبل التحليل، وأكثر المستويات تداولًا خمسة في المئة. غير أن هذه القيمة لا تعني احتمال صحة فرضية العدم، ولا احتمال صحة الفرضية البديلة، ولا تدل على أهمية الأثر. وقد أصدرت الجمعية الأمريكية للإحصاء في عام 2016 بيانًا حذّرت فيه من هذه التفسيرات الخاطئة، ودعت إلى ألا يُبنى قرار علمي على عتبة رقمية وحدها.
3.الدلالة الإحصائية وحجم الأثر
قد يكون الفرق دالًّا إحصائيًا لكنه ضئيل لا يهم عمليًا، وذلك شائع حين تكون العيّنة كبيرة جدًا. وقد يكون الفرق كبيرًا عمليًا لكن العيّنة صغيرة فلا يبلغ عتبة الدلالة. ولذلك يُطلب من الباحث أن يقرن الدلالة بحجم الأثر، ومن مقاييسه معامل الارتباط، وفرق المتوسطات المعياري المعروف بمقياس كوهين، ونسبة التباين المفسَّر. ويُضاف إليها فاصل الثقة الذي يبيّن مدى الدقة في تقدير الأثر.
4.اختيار الاختبار المناسب
يتوقف اختيار الاختبار على عدد المجموعات المقارنة ونوع المتغيرات وشكل التوزيع وطبيعة العيّنة. فمقارنة متوسطي مجموعتين مستقلتين تستعمل عادة اختبار «ت»، ومقارنة ثلاث مجموعات فأكثر تستعمل تحليل التباين، ودراسة العلاقة بين متغيرين متصلين تستعمل الارتباط أو الانحدار، وللمتغيرات الاسمية يُستعمل اختبار مربع كاي. وحين لا تتحقق افتراضات الاختبارات المعلمية يُلجأ إلى بدائلها اللامعلمية. ويحسن أن يُفحص تحقق الافتراضات قبل الاختبار لا بعده.
5.مثال عام على التفسير
لنفترض أن باحثًا قارن أداء مجموعتين في اختبار تحصيلي، فوجد فرقًا بينهما دالًّا إحصائيًا عند مستوى خمسة في المئة. العبارة السليمة أن البيانات غير متسقة مع افتراض تساوي المجموعتين في المجتمع، مع ذكر حجم الفرق وفاصل الثقة. أما العبارة الخاطئة فهي أن احتمال تساوي المجموعتين خمسة في المئة، أو أن البرنامج التعليمي «أثبت» فاعليته. فالاختبار الإحصائي لا يُثبت بل يقدّم دليلًا يُقرأ في ضوء التصميم وجودة القياس وحجم الأثر، ويبقى الحكم النهائي مرتبطًا بمجمل الأدلة.
6.ممارسات تحمي من سوء الاستعمال
من الممارسات المحمودة تحديد الفرضيات ومستوى الدلالة قبل جمع البيانات، والإبلاغ عن جميع الاختبارات التي أُجريت لا عن الدالّ منها فقط، وتعديل مستوى الدلالة حين تتعدد المقارنات، وتجنب تعديل التحليل بعد رؤية النتائج بقصد الوصول إلى دلالة. فالإفراط في تكرار التحاليل حتى تظهر نتيجة دالة يُنتج نتائج لا تصمد عند إعادة الدراسة.
خلاصة المقال
- القيمة الاحتمالية لا تعني احتمال صحة الفرضية ولا أهمية الأثر.
- تُقرن الدلالة الإحصائية بحجم الأثر وفاصل الثقة.
- تحديد الفرضيات وخطة التحليل قبل جمع البيانات يحمي من الاستنتاجات المتحيّزة.