يبدأ كل بحث جاد باختيار موضوع مناسب، وهي مرحلة يستعجلها كثير من الباحثين فيدفعون ثمن ذلك لاحقًا في صورة تعديلات متكررة أو مشكلات في الجمع والتحليل. ويعرض هذا المقال معايير مفيدة للمفاضلة بين الموضوعات المحتملة، وخطوات لتضييق الموضوع، وأسئلة لتقويم جدواه قبل الالتزام به.
1.من الاهتمام العام إلى الموضوع القابل للبحث
ينشأ الموضوع في الغالب من اهتمام عام بمجال معين، أو من ملاحظة مهنية، أو من ثغرة تُلحَظ أثناء القراءة. غير أن الاهتمام العام لا يصلح موضوعًا للبحث ما لم يتحول إلى مشكلة محددة يمكن دراستها بمنهج واضح. فعبارة مثل «التعليم الإلكتروني» ميدان واسع، أما دراسة أثر نمط معين من التغذية الراجعة في أداء طلاب مرحلة محددة فهي موضوع يمكن تناوله.
2.معايير المفاضلة بين الموضوعات
يحسن بالباحث أن يقارن بين موضوعين أو ثلاثة قبل أن يستقر على أحدها، وأن يختبر كل موضوع بمعايير معلنة، من أبرزها:
- الأصالة: هل يضيف الموضوع جديدًا، أو يعالج جانبًا لم يُدرس بما يكفي، أو يختبر نتائج سابقة في سياق مختلف؟
- الأهمية: هل تعود دراسته بفائدة علمية أو مهنية يمكن توضيحها؟
- الإمكان: هل تتوافر المصادر والبيانات والأدوات اللازمة، وهل يتسع الوقت لإنجازه؟
- التوافق مع الخبرة: هل يملك الباحث أو فريقه المعرفة المنهجية والموضوعية التي يتطلبها؟
3.تضييق الموضوع وتحديد حدوده
الموضوع الواسع أخطر على الباحث من الموضوع الضيق، لأن اتساعه يمنع العمق ويفتح الباب لجمع مواد كثيرة لا يجمعها خيط ناظم. ويكون التضييق بتحديد الفئة المدروسة، والمكان، والمدة الزمنية، والمتغيرات التي ستُبحث. وكلما كانت هذه الحدود صريحة سهل على الباحث صياغة أسئلة دقيقة، وسهل على القارئ فهم ما يغطيه البحث وما لا يغطيه.
4.اختبار الجدوى قبل الشروع
من الحكمة أن يُجري الباحث استطلاعًا أوليًا للأدبيات المتصلة بالموضوع قبل اعتماده، فيتبين له أمران: هل سُبق إلى الموضوع سبقًا يكاد يستوفيه، وهل في الأدبيات إطار نظري أو أدوات قياس يمكن الإفادة منها. كما ينبغي أن يتأكد من إمكان الوصول إلى مصادر البيانات، ومن توافر الموافقات اللازمة إذا كان البحث يشمل مشاركين بشريين، ومن واقعية الجدول الزمني.
5.مثال توضيحي على التضييق التدريجي
يمكن تتبّع مسار التضييق بمثال عام: يهتم باحث بموضوع «الرضا الوظيفي». هذا مجال واسع، فيحدّد أولًا فئة العاملين، كالعاملين في المؤسسات التعليمية، ثم يحدّد جانبًا من الرضا، كعلاقة أسلوب الإشراف بالرضا، ثم يحدّد المكان والمدة. فينتهي إلى سؤال قابل للدراسة هو: ما علاقة أسلوب الإشراف الإداري بمستوى الرضا الوظيفي لدى معلمي مدارس مدينة محددة خلال عام دراسي واحد؟ وهكذا يتحول الاهتمام العام إلى مشكلة يمكن جمع بياناتها وتحليلها، ويصبح بالإمكان تحديد الأدوات والعيّنة المناسبتين.
6.استشارة ذوي الخبرة وتوثيق القرار
يفيد عرض الموضوع على مشرف أو زميل متخصص، فالنقاش يكشف مواطن الغموض ويقترح زوايا لم تخطر للباحث. ويستحسن أن يدوّن الباحث مسوغات اختياره في فقرة قصيرة تتضمن المشكلة والغاية والحدود والجدوى، فهذه الفقرة ستكون نواة مقدمة البحث ومرجعًا يعود إليه كلما اتسع العمل أو تشعّب. وينبغي في كل الأحوال أن يبقى الباحث مستعدًا لتعديل صياغة الموضوع بعد القراءة الأعمق، فالتعديل المدروس في هذه المرحلة المبكرة أقل كلفة بكثير من اكتشاف عيب في الموضوع بعد جمع البيانات.
خلاصة المقال
- الموضوع الجيد مشكلة محددة لا مجال عام واسع.
- المفاضلة بين موضوعات عدة بمعايير معلنة تقلل التردد اللاحق.
- الاطلاع الأولي على الأدبيات واختبار الجدوى يسبقان اعتماد الموضوع.